حيدر حب الله
295
حجية الحديث
ومدرستهما يعبران عن إعطاء العقل دوراً أكبر في سنّ القوانين وتشريعها ، ولسنا معارضين لهذا الدور ، وإنما نعتقد بأنّ جعله يهيمن على الشريعة الأوّلية بكثرة نتيجة أزمات الواقع يمثل من جهة أخرى إفراغاً لدور النصّ ، وإقراراً ضمنياً بعجزه عن مواكبة تطوّر الحياة ، وهذا ينافي ما التزموا هم به من مصادرات قبلية في فهم نظرية شمول الشريعة . من هنا ، اقترح بعضهم - كالدكتور أبو القاسم فنائي « 1 » - إجراء تعديل هنا ، وذلك في نفس أنظمة حجيّة الظن ، ومنها ظنون أخبار الآحاد ، وذلك بالقول : إنّ العقلاء عندما يعطون الظنّ الحجية يشرطون ذلك بشرط لبّي ، وهو أن لا يؤدّي العمل بالظن هنا أو هناك إلى مفاسد يراها العقل واقعيةً ، وسبب هذا الشرط العقلائي هو أنّ العقل يحكم بأنّ الأحكام الشرعية جاءت لمصالح دنيوية للإنسان إلى جانب المصالح الأخروية ، وهذا معنى أنّ هناك مصالح ومفاسد في المتعلّقات ، ولا نقصد بالمصالح الدنيوية مجرد المصالح المادية ، بل كلّ مصلحة يلمسها الإنسان في الدنيا ، سواء على مستوى الروح أم المادة ، وإذا كان هذا هو المبدأ العدلي في التشريعات عنى ذلك أنّ كلّ حكم مقيّد بقيد أن لا يضرّ بالإنسان أو يلحق به المفاسد ، فإذا حصل ذلك تجمّد الحكم أو ألغي ، وهنا يرى العقلاء أنّ الظن الذي يعطينا حكماً ضاراً أو غير صالح اليوم لا يكون حجّةً لهذا السبب . وإذا أردنا صياغة الموضوع بطريقة أصوليّة قلنا : لا نحرز إعطاء العقلاء الحجية لنتيجة ظنية يرى العقل فيها عدم الصلاح ، لا لأنّ نظر العقل مصيب ، فلعلّه لا يعرف المصالح والملاكات ، بل لأنّ ما يكشفه العقل يعطي شكّاً في النفس يمنع عن الاطمئنان بالحجيّة .
--> ( 1 ) فنائي ، العقلانية العلمانية والعقلانية الفقهية ، قراؤة تقويمية مقارنة ، مجلة الاجتهاد والتجديد ، العدد 4 : 111 - 120 .